حوار مع الأسبوع الصحفي – 24 ماي 2012

عن جريدة الأسبوع الصحفي و بالاتفاق معها

http://insafpress.com/politics/98-national-politics/3458-2012-05-24-20-13-54.html

أجرى الحوار حميد المهداوي

لاحزب ولاجماعة ولا نقابة له، ولكن مراقبين يعتبرون حضوره بمليون نقابة وحزب وجماعة، رغم كل التعتيم الذي يمارسه عليه الإعلام الرسمي وغير الرسمي، ما دفع مشاركين في استفتاء نظمه موقع إلكتروني مقرب من الإسلاميين إلى إختياره « شخصية سنة 2011 في المغرب »، متقدما على رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران ومرشد جماعة العدل والإحسان الشيخ عبد السلام ياسين والمنسق العام لحزب الأمة محمد المرواني. بل إن مشروعية معركته وعدالة قضيته، دفعت وزير الحكامة محمد بوليف إلى حد القول: « إذا لم يُنصَف بن الصديق فلا معنى لدستور 2011″، قبل أن يصدمه مستشار الملك عباس الجراري بالقول:  لا يمكن للملك أن يُنصِفك إذا ظلمك أحد الطغاة المحيطين به 

اشتهر بـلقب « المهندس بن الصديق » عندما طفا إسمه على صفحات الجرائد قبل سنوات خلت، كعنوان عريض لما كان يجري في « حامة مولاي يعقوب » و »صندوق الإيداع والتدبير »، قبل أن تقاطعه كل الجرائد الورقية، ويصبح ممنوعا وغير مرغوب فيه على صفحاتها منذ أن نشر رسالته الشهيرة حول « خلع البيعة للملك » بعد أن حُرِم من إيصال صوته لعاهل البلاد، وقوبل بصمت حكومي وبرلماني مريب وغير مفهوم، رغم ما فجره من قضايا فساد وتبديد لأموال عمومية، كانت أسهل إجابة عنها في حينها، عزله من جميع المناصب التي كان يشغلها في الشركات التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، حيث اتُّهِم بـ »إهانة الملك وعدم إحترامه » دون مقاضاته !! بعد سبعة أشهر !! على زيارة الملك لحامة مولاي يعقوب، يومي 15/16 فبراير 2006، وهي الزيارة التي أثنى فيها عليه الملك مباشرة بالقول: « الله يعطيك الصحة » عِرْفانا بعطائه المهني وبجودة المشروع الذي إقترحه عليه خلال الزيارة المذكورة

ورغم كل الصعاب و التحديات الإجتماعية والإقتصادية الكبيرة التي واجهته ولازالت، حتى اليوم، منذ أن تم عزله في الخامس عشر من شتنبر 2006، لازال يقاوم بكبرياء وعناد لامثيل لهما، رافضا بشدة أن يُنظر إلى قضيته كمسألة شخصية معزولة عن سياق سياسي وإداري عام موسوم بشتى مظاهر الفساد، بحسبه، حيث يتابع بشغف كبير كل تفاصيل الحياة السياسية والإجتماعية، دون أن يتخلف عن الحضور لمعظم الندوات الفكرية والسياسية التي تعقد بين الفينة والأخرى هنا أو هناك، مع المشاركة في جل المسيرات الإحتجاجية، دون أن يتخلى يوما عن المقاومة عبر العالم الإفتراضي من خلال تعليقاته ومساهماته المثيرة على صفحته الإجتماعية وكذا بمقالاته الجريئة عبر والمواقع والصحف الإلكترونية

ما قصة هذا الرجل؟ وماذا جرى له بالضبط مع صندوق الإيداع والتدبير حتى تم عزله؟ ما حقيقة « إهانته للملك وإزعاجه »؟ في أي سياق جاء إعلان خلعه لـ »بيعته للملك »؟ ثم كيف يرى و يُقيِّم بن كيران وحكومته؟ أسئلة يجيبنا عنها المهندس أحمد بن الصديق من خلال هذا الحوار المثير والساخن

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

أثارت الأجوبة التي قدمها رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، خلال جلسة الأسئلة الشفوية الشهرية المخصصة للسياسة العامة بمجلس النواب، جدلا إعلاميا واسعا، بحكم ما تضمنته من إشارات اعتبرها عدد من المراقبين قوية وصريحة، كفاعل مدني كيف وجدت بنكيران في هذه المناسبة؟

أولا، تحية لكم ولجريدتكم ولقرائها الكرام. جوابا على سؤالكم، أرى أن أسلوب السيد بنكيران لم يتغير

يعني بقي وفيا لأسلوبه في المعارضة « بقى على صباغتو » هل هذا ما تقصد؟

لا، وفيا لأسلوبه المعروف ولقفشاته المألوفة، ولتملقه المبالغ فيه ومقارباته السطحية

 مقاطعا  – ولكن تدخله تابعه قرابة مليوني مشاهد مغربي عبر القناة الأولى، وفقا لإحصائيات « ماروك متري »، وهي سابقة في تاريخ الحكومات المغربية المتعاقبة، أن يحصل رئيس حكومة مغربي على نسبة مشاهدة بهذا القدر الكبير، ألا يضعك هذا الرد خارج السياق؟

طبعا، أنا خارج السياق، لأن السياق مطبوع بالسطحيات وبالعموميات وبالنفاق، وبسياسة « غطي علي نغطي عليك »

وأين تجلت لك سياسة « غطي علي.. نغطي عليك »، والمغاربة لأول مرة في تاريخهم يعرفون أصحاب رخص النقل، وربما قريبا يعرفون أصحاب رخص قطاع آخر، كما باتوا يعرفون ميزانية القصر وراتب رئيس الحكومة وثروات وزرائها؟

أعطيك مثالا واحدا :السيد بنكيران في إطار المطالبة بالشفافية، وهو في المعارضة طالب الملك بإعادة فتح تحقيق في أحداث 16 ماي 2003، وقال بـ »عظمة لسانه » في مارس 2011، « إذا كان نبي الله إبراهيم يشكك في وجود الله ألا يحق لعبد الإله بنكيران أن يشكك في أحداث 16 ماي 2003″، وناشد آنذاك الملك بأن يأمر بإعادة التحقيق ليعرف المغاربة الحقيقة كاملة في من كان وراء تلك الأحداث الأليمة، الآن وهو رئيسا للحكومة، والأجهزة الأمنية تحت تصرفه، فما الذي يمنعه من إعادة فتح التحقيق في إطار الشفافية والوضوح ؟

ربما للرجل أولويات أكبر اليوم، قد يبدو له تشغيل المغاربة وإطعامهم وإسكانهم، أولى من فتح تحقيق قد يجره لمتاهات ومواجهة، هو في غنى عنها؟

هل كان المغاربة في 2011 يستحقون معرفة الحقيقة واليوم لايستحقون معرفتها؟ ثانيا هذا القرار لن يتطلب الكثير من الوقت والجهد، إذ يكفيه أن يأمر بالكشف عن نتائج التحقيق الذي باشرته الجهات الأمنية، سابقا، ثم يباشر مسؤولياته!

وما الذي يمنعه اليوم من فتح هذا التحقيق، بنظرك؟

هذا سؤال عليك أن تطرحه عليه هو؟

قبل أن أن ألتقي به وأسأله، أريدك ترد على هذا الإستنتاج: ماذا لو كان بنكيران في المعارضة محكوما بحماس ونشاط معين، وطالب بأمر ما بدا له في حينه أولوية مُلِحة، ثم وهو في الحكومة حيث اتسع أفقه واختمرت تجربته، بدا له ما هو أولى مما كان يعتقده في المعارضة ؟

وما الذي يمنعه اليوم من الكشف عن مسؤولي الأمن الذين انتهكوا حرمات البيوت في تازة و معاقبتهم ؟ و أين الشفافية في راتب وملف المدرب الوطني الذي أدارته الحكومة بارتجال كبير؟

ولكنه يحظى بسند شعبي منقطع النظير، هل تستطيع إنكاره عليه؟

المغاربة اليوم لديهم انتظارات مُلِحة ، ويتعلقون بكل بارقة أمل، وسيكتشف الذين اعتقدوا أن مقاربة السي بنكيران جزءٌ من الحل أنها أصبحت جزءً من المشكلة، مع احترامي للشخص طبعا. ألم يكن لحركة 20 فبراير امتداد شعبي فقاومها السي بنكيران و استهزأ بها بأقدح النعوث والصفات، واصفا إياها بـمجموعة »الطبالين والغياطين »، قبل أن يتبنى خطابها حول الفساد والاستبداد ليصل إلى الحكومة ؟ واليوم يتفرج على الانتقام من 20 فبراير عبر الزج بمعاد الحاقد و يونس بلخديم في السجن. إن الدولة التي تسجن الفنان والشاعر دولة مُفلِسة. وهل أحتاج للتذكير بأن قوانين الإنتخابات التي أتت ببنكيران إلى رئاسة الحكومة – و ليس للحكم- كان حزبه يصوت ضدها ! ثم أيُّ سند شعبي لبنكيران الذي تتحدث عنه، كم صوت عليه من المغاربة، مليون أو مليونين، أين الباقي ؟ أين المقاطعون والغير مسجلين في اللوائح؟

إذا كنتم تعترفون له بهذه المحدودية الشعبية وأنه لا يستند على قاعدة جماهيرية قوية، فلماذا تطالبونه، إذن، بأشياء هي أكبر من ثقله البرلماني والإجتماعي؟

الآن له صلاحيات دستورية و إلتزامات أخلاقية وسواء اتفقنا معه أم لا فهو مسؤول عن أفعال الحكومة

هل تريد أن تقول بأنه لا يستغل صلاحياته الدستورية؟

طبعا، هو لايستغل صلاحياته الدستورية

مثلا؟

في العديد من القضايا، وأذكر هنا على سبيل المثال ما نشرته الصحافة المغربية، بخصوص محمية الصيد البالغة مساحتها 45 ألف هكتارا بنواحي كلميم، والتي مُنحت لأمير دولة قطر، حيث مُنِع السكان بالمنطقة المذكورة من رعي إبلهم كما تعودوا من قبل. إذا كان الملك هو من أمر بذلك فأين هو الفصل من الدستور الذي يتيح له إتخاذ مثل هذا القرار، وأين دور بنكيران الذي يتصرف في الإدارة نظريا

ولكن العديد من المتتبعين لايروا عيبا في ذلك، فثقافة الهبات والهدايا سلوك مترسخ في أعرق الديمقراطيات الغربية؛ حيث إن العديد من الرؤساء والملوك في العالم يتلقون الهدايا والهبات بينهم على سبيل المثال لا الحصر الملكة إليزابيت الثانية التي تلقت هدية من رئيس شيلي سبستيان بينيرا، ثم ماذا لو ارتأى المسؤولون شراء إستقرار بلادهم وحقن دماء شعبهم ببضعة هكتارات في إطار مصلحة المغرب الإستراتيجية، خاصة في جو الربيع العربي المشحون والموسوم بدور دولة قطر وقناتها « الجزيرة » في زعزعة إستقرار عدد من البلدان العربية؟

أنا أقول لك، أين هو الفصل في الدستور الذي يسمح له بذلك؟ وما رأي الجماعات المحلية ؟ وما هو التكييف القانوني الذي صيغ لهذا الأمر؟ و إن كان الأمر إشاعة فلتكذبها الدولة. و كفانا من منطق المزاج والسيد الذي لا يُسأل عما يَفعل لأنه منطق متجاوز

الفصل 42 من الدستور الذي يعتبر الملك هو رئيس الدولة وهو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وبنكيران لاينتني عن الحديث بأن الملك رئيسه، علاوة على التفويض الذي يتمتع به الملك من المواطنين عبر عقد البيعة التي يقدمها له ممثلي الأمة في حفل الولاء. ثم ألا ترى معي أنكم محكومين بإزدواجية في الخطاب حيث وصفتم الدستور بالممنوح وقاطعتم التصويت عنه، واليوم تطالبون ببركاته، بل إنه أصبح مرجعا لديكم لمآخذة ومحاكمة بن كيران وغيره؟

رأيي أن هذا دستور مليء بالألغام، ولكن المطلوب من الحكومة ورئيسها احترام التزاماتها واحترام الأخلاق على الأقل لتكون منسجمة مع نفسها، ولو كان الدستور بهذه المحاسن، لماذا فرضته الدولة على المواطنين، وجندت له »الشماكرية »، وجيشت خطباء الجمعة و كذا الإعلام، وخنقت الأصوات المنادية بمقاطعة الاستفتاء!.. الدولة هي أول من انتهك الدستور واحتقر المواطنين عندما أقدمت على تغييره خلسة ليلة الاستفتاء عليه

لكن الكل أشاد به داخليا وخارجيا؟

غير صحيح. حتى مهرجان « موازين » يشيد به بعض الناس وماذا بعد؟ المنطق العددي لا ينفع وحده

ولكنه الفيصل والعامل الحاسم في الفلسفة الديمقراطية؟

هذا تزييف للديمقراطية، الديمقراطية فيها حرية التعبير وحرية الرأي وحرية الإنتقاد ومحاسبة المسؤولين، وليس هناك أي شخص فوق النقد وفوق المحاسبة بما في ذلك الملك.

الملك صادق على لائحة العمال، التي اقترحها عليه وزير الداخلية، وبنكيران اعترض على إسم عامل المحمدية سابقا عبد العزيز دادس، وهي سابقة في تاريخ الحكم في المغرب، حيث استجاب الملك لطلب رئيس الحكومة، ما يعني أن محمد السادس يقبل المحاسبة، فأين المشكلة؟

يا ليتك قرأت الانتقادات الشديدة لأسلوب بنكيران الصادرة عن الأستاذ حامي الدين وهو من العدالة والتنمية. لقد كان بإمكان بنكيران إنشاء لجنة موسعة من البرلمانيين و الخبراء تشرف على الترشيح لمنصب العامل والوالي و تستمع للمرشحين وتشتغل بمعايير الكفاءة والنزاهة. من جهة أخرى السيد رئيس الحكومة صرخ بأعلى صوته أثناء الحملة الانتخابية بأن السيد الهمة والسيد الماجدي من المفسدين في الأرض الذين يفسدون ولايصلحون، فما الذي تغير اليوم حتى يتغير خطابه منهما، ثم لماذا لا يُفعِّل صلاحياته الدستورية لمحاسبتهم على فسادهما وإفسادهما؟

ربما بنكيران أدرك أن تحدياته الحكومية تجعله في غنى عن فتح جبهة قد تلهيهه عن مقاصده السياسية والإجتماعية التي جاء من أجلها، أو ربما استفاد من تجارب اليوسفي ومن سبقه ويحاول أن يرسي قواعده التي يؤمن بها « كوت آكوت » دون معارك جانبية قد تستنزفه وتستنزف جماعته السياسية ؟

شعار حملة العدالة و التنمية في الانتخابات كان « صوتك هو فرصتك ضد الفساد والاستبداد » ومن يعتقد بإمكان معالجة السرطان بدواء الأسبرين فهو مخطئ. نحن أمام سرطان إسمه الفساد السياسي والمالي والإقتصادي المدعوم من طرف القصر، هذا السرطان وهذه السياسة الفاسدة هي التي جعلت تصنيفات المغرب في المؤشرات الدولية تتراجع سنة 2011 مقارنة مع 2010، من الصف 135 إلى 138، في حرية الصحافة، ومن الصف 116 إلى 119 في مؤشر الديمقراطية، ومن الصف 114 إلى 130 على سلم التنمية البشرية

ولكن قسم واسع من المواطنين المغاربة والمراقبين الدوليين، أثنوا على المسؤولين في هذه البلاد، حين أنقذوها من مصير مجهول، ربما كان سيكون أبشع وأفظع، مما جرى في تونس ومصر وليبيا بحكم التنوع العرقي الشديد والإختلاف الإديولوجي الطاحن الذي يجمع بين عدد من الفصائل السياسية في المغرب، أليس هذا إنجازا يحسب للملك أولا، عندما استشعر طبيعة اللحظة السياسية ومتطلباتها بعد ظهور حركة 20 فبراير وهو ما تجسد في خطاب التاسع من مارس 2011، ولبنكيران ثانيا، عندما اصطف إلى جانب المؤسسات ودافع عن التغيير في ظل الإستقرار؟

الملك كانت له فرصة إسثتنائية لدخول التاريخ من بابه الكبير، بإرساء نظام ديمقراطي على النمط الإسباني أو البلجيكي أو البريطاني، ولكنه فضَّل الالتفاف على المطالب الشعبية والاحتفاظ برموز الإفلاس ورموز استغلال النفوذ. وهنا أحيلك على مقالي الأخير بعنوان « ديمقراطية الركوع » ورد الفعل السريع لعالم الشريعة الأستاذ أحمد الريسوني الذي وصف الركوع أمام الملك وفرسه بالمهين والمشين والقبيح والشنيع

هل سمعت الملك يوما طلب من أحد الركوع أمامه، كما أن الحياة تعلمنا أن التاريخ لا يصنعه الأفراد بل المجموعات البشرية المؤطرة في تنظيماتها وإطاراتها الشرعية، فعلى مر تاريخ البشرية الطويل لم يسبق لزعيم أو ملك أو رئيس دولة أن أنجز التغيير وصنع التاريخ لوحده دون سند مجتمعي وخاصة من لدن نخبة إقتصادية مسيسة ومثقفة، فيمكن للفرد الواحد أن يكون دوره حاسما في التاريخ، لكنه يصبح لاشئ، إذا لم يعاضده آخرون ويشد أزره مجموعات بشرية معينة، وهو الشئ الذي يعتبره عدد من الملاحظين كان دوما مفقودا في التجربة السياسية المغربية مما عطل التغيير لسنوات، ما ردكم؟

الربيع العربي فرصة هائلة للتغيير الإيجابي لمن اغتنم الفرصة بذكاء

هل يمكنك أن تقفز على محطات عنيفة وحقب تاريخية طويلة عاشتها الملكيات التي ذكرت بينها الملكية الإسبانية تحديدا، حيث تبلورت تشكيلات إجتماعية متنوعة بينها الطبقة البرجوزاية التي حملت مشعل التغيير ضد الإقطاع مستنيرة بما أبدعه عصر الأنوار من قيم ديمقراطية حتى وصلت لتلك الملكية التي تسمى ملكية برلمانية هذا دون الحديث عن عوامل أخرى بينها الدعم الذي تلقته إسبانيا من أمريكا عبر مشروع مارشال في إطار إيجاد حليف إستراتيجي في المنطقة والدليل أن إسبانيا بها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في العالم، في حين المغرب عمره بالكاد 56 سنة، وبرجوازيته هشة ومترددة ومرتبطة بمصالح الخارج، كيف تريد للملكية لوحدها أن تقود الإصلاح و خاصة مع ما تعرضت له من خضات ثورية عنيفة وإنقلابات أفقدتها الثقة في نخبتها السياسة والعسكرية؟

المخزن هو الذي يصنع النخب الفاسدة و يعاقب النزيهة. يا سيدي المغرب ليس أرضا خلاء. إن حركة 20 فبراير والهيئات المساندة لها أعطت للملك فرصة للتعاون لتأسيس مغرب متصالح مع نفسه وديمقراطي، ثم المغرب فيه كفاءات عديدة. بل حتى من داخل العدالة والتنمية هناك من تبنى تلك المطالب، فأربعة من وزراء حكومة بنكيران هم السادة الشوباني والرميد والعثماني وبوليف وقعوا يوم 31 مارس 2011، على « بيان التغيير الذي نريد »، حيث طالبوا مع غيرهم بفصل السلطة عن التجارة وبمحاسبة الفاسدين والمفسدين وإبعادهم عن مراكز القرار و وضع حد للإفلات من العقاب و بإلغاء كافة المراسيم والتقاليد والطقوس المخزنية المهينة والحاطة من الكرامة

اليوم، لم نعد نسمع منهم مثل هذه المطالب بعد أن أصبحوا وزراء، إذن وفقا لقولك الأزمة أزمة نخب مفلسة ومترددة، كيف تفسر هذا التراجع؟

أنا لا أفسر شيئا، أنا أسجل موقفا ثم ألاحظ تغييرا في ذلك الموقف.أليس من المؤسف أن يكون وزير الحكامة مثلا هو الذي يقدم أمام البرلمان في إطار مشروع قانون المالية ميزانية القصر الملكي الضخمة لسنة 2012، والبالغة 257 مليار سنتيم، حيث أن المواطن المغربي يصرف على القصر الملكي 77.4 درهم سنويا بينما المواطن الهولندي يصرف 26.2 درهم سنويا و البلجيكي14.1 سنويا والبريطاني 8.7 والإسباني 2.2 على ملكيتهم. أين الحكامة ؟

هل الملك ألزم الحكومة بهذه الميزانية، ومنذ متى كان المغاربة يعرفون ميزانية البلاط وتناقش في البرلمان أليس هذا مكسبا سياسيا عظيما، ثم ما الذي يمنع الحكومة اليوم من مراجعة هذه الميزانية إن بدت لها مكلفة؟

الحكومة لا تملك الجرأة و هذا هو المشكل. ونحن في خضم مهرجان موازين، عندما انتقده السيد الشوباني، وكان على حق في موقفه الشجاع، جدع أذنيه السيد بنكيران على صفحات جريدة المساء يوم 6 مارس الماضي هكذا: على الوزراء أن ينتبهوا لتصريحاتهم

بعد رسالتك الشهيرة للملك حول « خلع البيعة » وما أعقبها من مضايقات أمنية، سبق للشوباني أن أدان يوم 13 غشت 2011، ما تعرضت له من مضايقات، وصفها بـ »الحرب النفسية على مواطن عبر عن موقفه بطريقة سلمية » حسب تعبيره، وطالب بفتح تحقيق في ملابسات هذه المطاردة، مضيفا أن « كل تقصير من طرف الدولة أو القوى السياسية أو الحقوقية، يعتبر ضربا من مقتضيات الدستور وللحريات التي يكفلها ». اليوم أصبح المذكور وزيرا هل لازال يولي قضيتك نفس الدعم؟

حبذا لو سألته هو عن موقفه اليوم وهو في موقع القرار

سأسأله متى أتيحت لي الفرصة، وأريد أن أسمع منك قبله؟

لقد التقيته وسمعت منه كلاما لا يسمن ولا يغني من جوع

هل يُفهم من كلامك أنه تراجع عن دعمه لك؟

يا ليته تحلى على الأقل بالشجاعة وتراجع بصفة واضحة، وقال إن الفساد أكبر مما أتحمل

أي فساد؟

تلفيق التهم الباطلة

لمن؟

لي طبعا، والتهمة « عدم إحترام الملك وإزعاجه »، تماما كما لفقوا تهمة الرشوة لخالد الودغيري، فتلفيق التهم آلية من بين آليات المخزن للتحكم والضبط والإخضاع

من اتهمك؟

السيد مصطفى الباكوري وأعوانه و هو آنذاك مدير عام صندوق الإيداع و التدبير

متى، وكيف صيغت التهمة؟

كتابيا، في سنة 2006

على خلفية ماذا؟

على خلفية اكتشاف فضائح جسيمة، قد تودي يوما بأرواح مواطنين كما حدث منذ أسبوع بالدار البيضاء؟

هل لك أن تضع قارئ « الأسبوع » في الصورة بشكل أوضح؟

ليس الغرض إثقال أذني القارئ بتفاصيل تناولتها الصحافة من قبل و منها جريدتكم الغراء. الخلاصة أني كنت مديرا عاما لشركة « صوطرمي Sothermy  » التابعة لصندوق الإيداع والتدبير (CDG) وهي الشركة المشرفة على حامة مولاي يعقوب، التي تستقبل يوميا آلاف المواطنين في بنايتها الشعبية، فعلمت أن الحامة مهددة بالسقوط من خبرتين علميتين. كما أن مدير الحامة الطبي، زاول خلال 12 سنة مهنة الطب بدون رخصة قانونية وبشواهد تخصص مؤقتة مما يشكل خطرا على صحة المواطنين

  اثنا عشر سنة، وهو طبيب بدون رخصة ! كيف وصل إلى علمك هذا الأمر، وماذا فعلت ؟

بمراسلة رسمية من هيئة الأطباء الجهوية بمدينة فاس. لقد منحته مهلة لتسوية وضعيته بسرعة وأخبرت السيد الوالي.

كان الغرابي أظن في 2006؟

نعم السيد محمد الغرابي، أخبرته بصفته رئيسا لمجلس إدارة الشركة، ورفعت تقريرا للإدارة العامة لصندوق الإيداع والتدبير الذي كان يديره السيد الباكوري

طبعا، أوقفوا الطبيب، وفتحوا تحقيقا في واقع بناية المؤسسة أليس كذلك؟

(يضحك) « ما دارو والو »، التزموا بالصمت، و لفقوا تهمة انتقامية لي، وهي « عدم إحترام الملك وإزعاجه »، والأخطر من ذلك أنهم قاموا بتدمير ونسف المشروع العلمي الذي كان في أوله وحدثتُ الملك عنه مباشرة، ونال إعجابه حيث قال لي : »الله يعطيك الصحة »، وهو المشروع المثمتل في إنشاء تخصص طبي جديد في طب المداواة بالمياه المعدنية، ليستفيد المواطنون المغاربة من ثروة طبيعية إسمها مياه مولاي يعقوب وإخراج المؤسسة من القرون الوسطى ومن الجراثيم و الأوساخ، وللتذكير فالمؤسسة تضم مؤسسة طبية عصرية بنيت لإستقبال 1300 مريض يوميا، لكنها لا تقوم بدورها، حيث أن هذا الإهمال حرم قرابة 500.000 مواطن على مدى 20 سنة من الاستشفاء

قلت عدم إحترام الملك وإزعاجه، متى تم ذلك، وكيف اتهموك بالإخلال بواجب الإحترام للملك؟

هذا السؤال عليك أن تطرحه على السيد الباكوري والسيد وزير الداخلية آنذاك شكيب بنموسى والسيد الوالي الغرابي

قبل أن ألتقيهم نود أن نسمع منك؟

في 15 و16من فبراير 2006، زار الملك الحامة، فأعطيته ملخصا لمشروع إعادة هيكلة المؤسسة، لكي تقوم بدورها العلمي والطبي والسياحي، وذلك بموافقة الإدارة العامة بالرباط. كما وجَّهتُ عنايته إلى وضع الحامة الشعبية المقلق، وقد كان الملك محقا عندما نصح ببناء حامة شعبية جديدة وعدم الارتكان إلى إصلاحات طفيفة

هل أفهم من كلامك، أنك كنت ضحية، لمن كانت ملاحظاتك وتقريرك سيفتح النار عليهم؟

  المؤسسة القديمة خضعت للترميم سنة 2002 بكلفة 350 مليون سنتيم، وفي 2006، طلبنا خبرتين أنجزهما        SOCOTEC و LPEE أولا مكتب المراقبة التقنية صوكوطيك وبعده  المختبر العمومي للتجارب  الدراسات 

  وخلاصتهما أن  البناية آيلة للسقوط-    وتشكل خطرا على أرواحم المواطنين، فأين صرف المال سنة 2002 !؟ لقد تم الإخلال بالتزام مكتوب لصندوق الإيداع والتدبير وهو إجراء فحص تقني قبل مباشرة إصلاحات 2002، لمعرفة كيفية الترميم، والغريب أنه في اليوم الذي جاءني فيه التقرير النهائي للخبرة الثانية؛ أي يوم الجمعة 19 ماي 2006، والتي تؤكد الخطر القائم، كان هو نفسه اليوم الذي راسلني فيه كتابيا المدير السابق للقطب العقاري في الصندوق، السيد محمد باسطوس، طالبا مني إلغاء تلك الخبرة علما أنه هو الذي كان قد أشرف عن ترميم 2002

لماذا طلب منك ذلك؟

ربما لكي لا يُساءل عن الأموال التي صرفها سنة 2002، والتي قد يؤدي التحقيق فيها إلى السؤال عن مشاريع أخرى ذات مزانيات أكبر. لقد أجبته يوم السبت 20 ماي 2006 أن الخبرة أنجزت وانتهى الأمر بضرورة إتخاذ تدابير عاجلة، و يوم الاثنين 22 ماي تم عزلي كمديرعام للمؤسسة، مع احتفاظي بمنصب مدير عام شركة الكولف الملكي في فاس، التابعة بدورها لصندوق الإيداع والتدبير، أسبوع بعد ذلك فقط لاغير، السيد باسطوس نفسه وبمباركة السيد الباكوري يصدر قرارا، تم بموجبه عزلي من الإدارة العامة للكولف. وفي الأسبوع ذاته تم نسف اللقاء الذي كان مبرمجا يوم 24 ماي من طرف اللجنة الطبية التي كنت أنشأتُها لمواكبة التحديث الطبي للحامة والمتكونة من عدد من أساتذة في الطب متعددي الإختصاصات. وإمتدادا لهذا الإجهاض تم نسف علاقة التعاون مع كلية الطب بفاس، كما تم تهميش التوأمة مع الحامة الفرنسية التي قمت بتفعيلها بعد أن ظلت حبرا على ورق لمدة 12 سنة، من أجل نقل الخبرة الطبية للمغرب لعلاج المواطنين. بعدها قال لي الكاتب العام للصندوق السيد علي الهراج انتظر سوف نسند لك الإدارة العامة لشركة أخرى، و بعد إنتظار طويل وفي الخامس من شتنبر 2006، أرسلت تقريرا مفصلا للسيد الباكوري، ففاجئني يوم 15 شتنبر بتهمة الهدف منها الضغط، لكي أغادر بصمت وهي « عدم احترام الملك و إزعاجه، وذلك بعد 7 أشهر عن لقائي بالملك وبعد أن فاحت روائح الفساد. اليوم تبخر حلم إنشاء تخصص طبي جديد، وعدنا للأوساخ ولمولاي يعقوب داويني من الحبوب؛ أي عدنا للتخلف ثانية

فتوبعت قضائيا بالإخلال بالاحترام الواجب للملك؟

لا، لم يتم تحريك أي متابعة، والسؤال المطروح من خول للسيد الباكوري التحدث بإسم الملك، وأين هي حجة التهمة ؟ اللهم إلا إذا كان فضح الفساد يُعتبر إخلالا بالإحترام الواجب للملك فإني فعلا أخللت بهذا الواجب، وعلى أي حال فقد خلعت بيعتي للملك كما تعلمون إحتجاجا على صمته ورفضه لتحمل مسؤوليته

ربما لو قلت هذه العبارة الأخيرة قبل عام 1999، لربما كانت آخر شئ تتلفظ به في الحياة، ثم ألا ترى أنك قد تسرعت قليلا، فأنت تعرف حجم الانشغالات الملكية، وربما هذا ما دفع عددا من الوزراء التراجع عن دعمك عمليا، بينهم وزير العدل والحريات مصطفى الرميد الذي عُلِم لدينا أنه قال لك بالحرف: « رْفَعْتي السْقف بزاف »

أنصت يا سيدي: هل تعرف ما قال السحرة لفرعون عندما تبين لهم الحق في سورة طه ؟ « فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ». إن الرد على ما تقول هو ما صرح لي به السيد عباس الجراري مستشار الملك حين قال لي: « إن الملك لا يستطيع إنصافك إذا ظلمك أحد الطغاة المحيطين به » وهي شهادة على السيد الجراري إما أن يؤكدها أو ينفيها أو يتهمني بالتجني عليه بهتانا وباختلاق وقائع زائفة. الحق لا سقف له إلا الحق، والإنصاف لا سقف إلا الإنصاف، و العدل أساس الملك و ليس الملك أساس العدل

سبق لوزير الإتصال مصطفى الخلفي ووزير الحكامة محمد بوليف قبل أن يدخلا للحكومة، أن وقعا على البيان التضامني الذي طالب الموقعون عليه من خلاله بكشف الحقيقة عن الفساد الذي سبق لك وأن فضحته، هل لازالا المعنيان على عهدهما مع مضمون البيان ؟

إنهما اليوم في موقع السلطة، و يلتزمان الصمت والساكت عن الحق شيطان أخرس

ولكن السيد بوليف أدلى بتصريح صحفي قوي يوم 19 شتنبر 2011، حين قال: « المغاربة يقفون عند الأعمال وليس الأقوال » وأضاف  » إذا لم يُنصف بن الصديق فلا معنى لدستور 2011″؟

قال ذلك حين كان برلمانيا يتأهب لخوض غمار انتخابات 25 نونبر، وبعد أن أصبح وزيرا للحكامة التحق بالصامتين، أو على الأقل إلى يومنا هذا

يعني استغل قضيتك في الانتخابات، هل هذا ماتريد قوله ؟

لا أدري و لكن هذا احتمال وارد

عندما طفا اسم جعفر حسون على سطح الأحداث السياسية كواحد من مقاومي الفساد في القضاء تم إحتضانه في العدالة والتنمية كعضو في الأمانة العامة، هل صحيح ما بلغ لعلمنا من مصادر جد موثوقة أنهم قايضوك بالالتحاق بالأمانة العامة مقابل التراجع عن خلع البيعة؟

هل تعتقد أن محاربة الفساد تتم عبر المقايضة والمساومة…

من بين القضايا التي ارتبط بها إسمك قضية « فاس 1200 سنة »، هل صحيح ما راج في أكثر من مناسبة بأنك صاحب المشروع، وأنه تمت قرصنته منك؟

تلك حكاية أخرى طويلة فيها القرصنة وتبديد أموال عمومية، واستغلال النفوذ وتزييف حقائق تاريخية والاستخفاف بالحضارة والثقافة

ما حقيقة المبالغ التي صرفت على المشروع، والتي حصرها الديوان الملكي في 350 مليون درهم منها 150 مليون درهم صادق عليها البرلمان؟

نعم المبلغ صحيح، ولكن لا أدري أين وكيف صُرف

هل حقق المشروع أهدافه الأصلية؟

المشروع أعطى عكس الأهداف لأن المشروع الأصلي تم تزييفه.

يبدو أنك قد تسلحت بجميع الوسائل السلمية في مقاومتك للفساد، بما فيها سلاح الشعر، فقد قرأت لك العديد من القصائد الشعرية الموسومة بأسلوب لاذع وآخاذ وصور شعرية جميلة وهادفة، كيف لمهندس أن يقول الشعر؟

 يضحك – بدوري لا أعرف

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

بن الصديق في سطور

ولد سنة 1961 بفاس متزوج و أب لبنت وولد، خريج المدرسة المركزية بباريس لتكوين المهندسين

تقلد عدد من المناصب الكبيرة في مؤسسات عمومية كالخطوط الملكية المغربية وصندوق الإيداع والتدبير كما عمل مديرا عاما بعدد من المؤسسات الخصوصية. ورغم تكوينه الأكاديمي العلمي فإن ذلك لم يمنعه من كتابة الشعر، حيث له العديد من القصائد الشعرية التي من المرتقب لها أن تصدر في ديوان شعري

Cet article a été publié dans حوارات مع الصحافة Interviews. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s